تربية الحيوانات الأليفة والطفل: تأثير "باف" وتأثيرات أخرى!

زوبعة في فنجان!

"ماما، بابا، أريد قطًّا صغيرًا". 

عادة ما تنزل عليك هذه الجملة، أو أي جملة فيها طلب أي نوع من الحيوانات الأليفة، وكأنَّها صاعقة رعدية، وتهزُّك وكأنَّها زلزال، وكأنَّ طلب طفلك درب من دروب الخيال، فهو لم يخطر لك أبدًا على بال. 

وفي نفس اللحظة، تلقائيًّا وبدون أي تفكير، تبدأ بالتبرير أو بإلهاء الطفل في غرفته المليئة بالألعاب، وكلك ثقة أن هذا الطلب المفاجئ من طفلك هو مجرد زوبعة في فنجان!

هيمالايا! 

لا، بالطبع لا يريد طفلك صعود جبال الهيمالايا، لكنه في الخامسة من عمره يعرف أنواع القطط وأشكالها  ويجمع صورها. إنه يعرف الهيمالايا من السيامي والشيرازي والراغدول، أو إذا كان يسير معك في الشارع فيرى كلبًا صغيرًا فيقول "هاسكي". هذا ببساطة شديدة يعني أن رغبة طفلك في اقتناء أحد أنواع الحيوانات الأليفة لم تعد رغبة عارضة، بل في طريقها لأن تصبح شغفًا بالنسبة له، وطلبًا صعبًا لك، تمامًا مثل صعوبة تسلق جبال الهيمالايا. 

٧ أرواح.. و٤ مستحيلات 

أيا ما كان نوع الحيوانات الأليفة التي يطلبها طفلكِ، سواء كانت قطة بسبعة أرواح، أو كلب لولو ظريفًا، فدماغكِ مغلق على جملة واحدة هي: "من رابع المستحيلات أن نربِّي نوعًا من أنواع الحيوانات الأليفة في المنزل"، وهذا له أسباب كثيرة، منها:

١. خوفكِ العام من تحمُّل مسؤولية روح جديدة لا تتكلم لغتك، ولا تعرفين احتياجها. 

٢. خوفكِ الخاص من اقتناء القطط كنوع من أنواع الحيوانات الأليفة، وهذا لِمَا يُثار حولها من جدل.

٣. خوفكِ من تربية كلب في المنزل. 

٤. خوفكِ على نظام البيت وسلامة المفروشات من مخالب القطط وعضَّات الكلاب.

٥. خوفكِ من أنواع الحساسية التي قد تسببها الحيوانات الأليفة.

٦. خوفكِ من حزن طفلكِ في حالة فقد هذا النوع من الحيوانات الأليفة.

إذا عُرف السبب بطل العجب

مخاوفكِ بالتَّأكيد في محلها، والخوف دائمًا ما يكون السبب الأول والعائق الوحيد لتحقيق ما نريد أو ما يريده أطفالنا، وخاصة إذا كان الأمر يتعلَّق بروح غريبة عنا، مثل أنواع الحيوانات الأليفة المختلفة. ولكن، قبل الإقرار بأن هذه المخاوف واقع وحقائق فلنفكر قليلًا: لماذا أصلًا طلب طفلي حيوانًا أليفا؟ وعندما تفهمين كيف يفكر طفلكِ، سيساعدكِ هذا في اتخاذ القرار الصحيح والتعامل الصِّحي مع الموقف. 

وهناك توازن بين مخاوفنا ورغبة أطفالنا بما علينا أن نحققه لهم، وللخوف من اقتناء حيوان أليف بالمنزل سبب قد لا نفكر فيه كثيرًا، ولكن بسبب مخاوفكِ الكثيرة قد تصنعين طفلًا أنانيًّا دون أن تدركي ذلك، وهذا ما سوف نكمله من خلال التعرف على تأثير "باف".

تأثير "باف" 

غالبا ما يبدأ انجذاب أطفالنا للحيوانات منذ سنٍّ مبكرة، فقبل حتى أن يتمُّوا عامًا واحدًا، يحب الأطفال التعرُّف على أصوات الحيوانات المختلفة، ثم يجذبهم ريشها الملوَّن، أو فراؤها الغني، أو جلدها الناعم، فيتعلمون عن أنواع اللمس المختلفة عندما تتاح لهم فرصة لمسها. 

الحيوانات فعلًا لها نصيب من اسمها، فهذه الحياة التي تنبض من هذه الكائنات الجميلة مثيرة لاهتمام الصِّغار، فهي مصدر طبيعي للاكتشاف والتعلُّم المبكر، والحيوانات عالم بأكمله يحتوي أسرارًا وكنوزًا يريد الطفل أن يخرج مكنوناتها. 

ولكن، ما علاقة هذا بتأثير "باف"؟ وما هو؟

تحرَّى الدكتور هال هيرزوج في دراسة قام بها عام ٢٠١٩، في مركز أبحاث الأطفال والمراهقين والحيوانات، بجامعة أدنبرة، عن تأثير "باف"، فقد أثارت فضوله أغنية "باف"، التنين السحري، والتي تحكي عن طفل يصاحب التنين "باف"، ويقضيان يومهما في محاربة القراصنة، والإبحار بالسفن الخيالية في المحيطات، وغير ذلك من المغامرات الشيقة التي استمتعا بها معًا.

وذات ليلة، يستيقظ الطفل وقد وجد نفسه تغيرت اهتماماته، فهو لم يعد طفلًا، وتبدل صندوق ألعابه، ولم تكن ألعابه فقط التي هجرها، وإنما هجر تنِّينه المفضل، رفيق طفولته.

وتأتي نهاية الأغنية حزينة، فقد كبر الطفل على حب "باف"، ولكنَّ "باف" تساقطت منه قشوره المدبَّبة واحدة تلو الأخرى، وهو يحاول لفت انتباه الطفل أو الفتى كما أصبح الآن، ثم تقوقع في كهفه للأبد عندما لم يجد فائدة. 

عندئذ أجرى دكتور هال مقياسًا لدراسة مدى تعلُّق الأطفال بالحيوانات عمومًا، وبحيواناتهم الأليفة بوجه خاص، فوجد أنه في عمر الطفولة المبكرة منذ شهور وحتى إتمام ١١ عامًا، يشعر الأطفال بالاستئناس بوجود حيواناتهم إلى جوارهم، فهم يتكلمون معًا، وقد يشعر الصغير بالوحشة والوَحدة عندما يبتعد حيوانه عنه، بل وتزيد هذه الروابط في سن ٩ و ١٠ أعوام.

وما كان لافتًا للانتباه حقًّا هو بعد الأطفال التدريجي عن حيواناتهم بين ١١ إلى ١٥ عامًا، والمفاجأة الأكبر كانت أن هذا البعد عن حب الحيوانات متساوٍ عند البنات والصِّبية.  

وقد أكدت دراسة أسترالية أخرى أن  نسبة الحيوانات الأليفة المهجورة من أصحابها الأطفال كانت صادمة، فقد وصلت إلى 75%. والهجر هنا يعني أن يظل الحيوان موجودًا بالمنزل، لكن دون أن يعطيه الطفل أي اهتمام، في حين كان 25% من الأطفال مُحبِّين ومهتمِّين بحيواناتهم الأليفة، بل وزاد ارتباطهم بها.  

ولكن، ما هي دوافع هذا الجفاء أو البعد المفاجىء؟ هل سببه الوحيد هو ما وصل له الباحثون بأنَّ السبب الرئيسي هو تحول الطفل أو الفتية والفتيات للانجذاب إلى أقرانهم وعالمهم الجديد بدلًا من عائلاتهم وعالمهم. بالفعل هذا أحد الأسباب، ولكن هناك أسباب ودوافع أقوى تجعل طفلكِ يتصرَّف كالطفل في قصة "باف".

باف وطفلي؟ 

هل نتذكر مخاوفنا الكثيرة وقلقنا حول اقتناء أطفالنا لحيوان منزلي أليف؟ بدون أن نشعر، قد تتسبَّب هذه المخاوف في إنتاج شخصية طفل أناني يفكر في نفسه فقط؛ فتصرُّفاتنا إزاء كل موقف قد تساهم سلبًا، ولا شعوريًّا، في وعي أطفالنا وسلوكهم نحو الحيوانات الأليفة، وعلينا أن نسأل أنفسنا: كيف كان تعاملنا مع مخاوفنا؟ 

هل حاولتِ إلهاء طفلكِ بدمية بديلة، كالدَّبدوب أو الأرنب أو غيرهما من الألعاب التي لا روح فيها، فقط لأن ملمسها يشبه الحيوان الأليف، وأشرتِ له أن هذه اللعبة بديل للحيوان الذي طلبه؟

إذا كانت إجابتكِ "نعم"، فقد أوصلتِ لطفلكِ أن الحيوان مجرد لعبة أو دمية، لا شعور لها ولا روح فيها، والعكس هو الصحيح، فالحيوانات لا تتكلم وليس لها لغة، ولكنها عاطفية لها مشاعر ونفسية تتأثر بحب من حولها، فتسعد أو تحبط، ووجود حيوان بالمنزل لا يساوي أبدًا وجود دمية محشوة وطرية يحضنها طفلك ليلًا. 

هل بحثتِ لطفلك عن صديق أو فرد من العائلة يربِّي حيوانًا أليفًا وقمتُما بزيارته على فترات متقاربة؟ إذا كانت إجابتكِ "نعم"، فلقد أرسلتِ لطفلكِ- لا شعوريًّا- رسالة بعدم الانتماء، فمع كثرة ترك الحيوان الأليف بمنزل صديقه، لن يشعر الطفل برابط الانتماء والحب تجاه الحيوان، بل سيألف تركه، ويكرِّر هذا إذا اقتنى حيوانه الخاص.

أما السؤال الثالث فهو: هل قدَّمتِ لطفلكِ لعبة إليكترونية بطلها حيوان؟ إذا كانت إجابتكِ "نعم"، فالخطأ في هذه الحالة مضاعف لعدة أسباب منها أن ضرر الشاشة التي يتفاعل من خلالها طفلكِ مع حيوان افتراضي، تفقده القدرة على التفاعل مع العالم الحقيقي تدريجيًّا، وأن اللُّعبة الإلكترونية تشبع رغبة طفلكِ في اقتناء حيوان إشباعًا كاذبًا من ناحية، وتشعره بأن الحيوان مجرد رسمة آلية يستطيع التحكم فيها مثلما يشاء.

كيف أتصرف؟ 

عندما نتصرف ببساطة وصدق تُحلُّ كلُّ الأمور، فعقل الطفل يعي ويستطيع فهم ما نقدم له من إشارات.  وعندما يطلب أطفالنا حيوانًا أليفًا، فمن الأنسب الجلوس معهم لنقرأ لهم عن الحيوانات، وأن نشرح لهم أن وجود حيوان يعيش معنا في المنزل مسؤولية، فهم يشعرون ويحبُّون ويريدون من يرعاهم مثلنا تمامًا، وأن نبيِّن لهم أن الحيوانات ذُكِرت في الكتب السماوية وأوصى بها الأنبياء، وهنا تصل رسالة إيجابية للطفل، فيفكر جيدًا قبل اتخاذ قراره. 

أما عن زيارة المقرَّبين، فهي فرصة رائعة لطرح فكرة مهمة جدًّا، وهي أن الحيوانات ليست وسيلة للتسلية وقت الملل، والجميل هو أن نُشيد بالطريقة التي يرعى بها الأصحاب حيواناتهم الأليفة، وأنها رفيقة لهم في حياتهم. 

وتغيير ردَّة فعلكِ تجاه الموقف تغير فعلًا كل شيء، حتى مع اللُّعبة الإلكترونية، وهذا باختيار لُعبة واحدة لها أهداف تعريفية بالحيوانات، تُنمِّي المهارات الإنسانية لطفلكِ في التعامل مع غيره. 

وبعد الحوارات المتبادلة بينكِ وبين طفلكِ، وبعد القرار المشترك وإظهار كل المميزات والعيوب لوجود حيوان أليف بالمنزل، نبدأ بمراقبة علامات جاهزية أولادنا لاستقبال حيوان جديد بالمنزل. 

١. اختيار حيوان مناسب للطفل تختاره الأسرة معًا، فمن يحب أنواع الكلاب سيحب القطط والأسماك والعصافير والسلاحف، وكل ما علينا هو أن نجلس معًا ونختار ما يلائم طريقة حياتنا.

٢. أن تكون جاهزًا تمامًا مثل طفلكِ في تحمُّل حياة روح جديدة معكم في البيت، وأن هذه الروح تستحق الحب والرعاية. 

٣. اكتشفوا عالم الحيوان الذي سيشارككم حياتكم، كما سيكتشفكم حيوانكم الجديد ويكتشف شخصيَّاتكم. 

من تأثير "باف" إلى تأثير الخير

وأخيرًا استقبلتم العضو الجديد، وأيًّا ما كان هذا العضو عصفورًا أو قطة، كلبًا أو سمكة، حتى وإن كان هامستر أو سُلَحفاة، فقد أتى ومعه تأثير الخير.  

فقد تبدد تأثير "باف" بالرُّؤية والاختيارات بعد المشاورات من ناحية، وبدأ تأثير الخير من ناحية أخرى. فقد أثبتت بعض الدراسات عكس ما كنا نتوقع، فالحيوانات الأليفة تأثيرها إيجابي جدًّا على صحة أطفالنا البدنية والنفسية؛ فهي تزيد من نسب الدوبامين والأكسيتوكسين، وهذا بسبب ما نشعر به ونحن نرعى أحدهم ونشعر بالمسؤولية نحوه. 

فلنراقب أطفالنا مع حيواناتهم الأليفة وتفاعلهم معها، فهم يلعبون معًا، ويتكلَّمون معًا، ويقرأون معًا، مثلما حدث في الفيديو الشهير لطفلة صغيرة تقرأ قصة عن كلب، وبالمصادفة يشبه هذا الكلب كلبها الحقيقي، فتصرُّ أن توقظه من نومه لتقول له: "انظر إنها صورتك". إنها تلك البهجة التي يشعر بها أطفالنا، وهذا الأثر الممتد الذي تتركه الحيوانات الأليفة؛ فينمو في أطفالنا الشعور بالمحبة والرحمة.

وهذا ما بدا جليًّا في قصة "يداي"، والتي كان بطلها يترجم مشاعر الرحمة التي حرَّكته نحو حمل العصفور الجريح، أو إطعام الأسماك، أو سقي الكلب العطشان. هذه الرحمة نحو المخلوقات الأخرى هي التي تجعل من أطفالنا أناسًا أسوياء يراعون مشاعر الغير. 

 

والخير ليس فقط في مشاعر الرَّحمة التي ستولِّدها تربية الحيوان الأليف، بل أيضًا الأنس، فقطة لطيفة مشاكسة مثل "دلتا" تملأ البيت بالخطط والأفكار، ستعيد رؤيتنا للأمور بطريقة أخرى، حتى إنه قد يصل  الأمر لاكتشاف ديناصور جديد. 

 

أما السُّلَحفاة، هذا الكائن الصغير الذي يحب أوراق الخس، بينما تحب "نانا" أن تقص الأوراق لصناعة مفاجأة لجدِّها أثناء مباراة محمد صلاح، فلها بهجة من نوع خاص؛ فالسُّلَحفاة تعطينا الفرصة للمراقبة والتدقيق والصبر، وتعلِّم أطفالنا أنه مهما كانت دروعنا صغيرة، فهي صلبة تستطيع أن تحمينا. 

أما رحلة "خبيزة"، الكلب الصغير، فهي تحمل معها ألوانًا مختلفة من المحبة والخير، فمن الفراشات أو القبلات التي تحملها له أمه، نرى رحلة نضوج لشخصية الكلب الصغير الذي يبقى الخير بداخله مهما قابل شرًّا أو صعبًا. 

هل أتمَّ طفلكِ الآن عامه الثالث عشر وما زال مهتمًّا بحيوانه الأليف؟ يمكنكِ تذكُّر تلك اللحظات التي أبعدتِهِ فيها عن الأنانية وعن تأثير "باف"، ووصلتما معًا لتأثير الخير. إنه هذا العالم الذي يثير شغف طفلكِ منذ نعومة أظفاره، فحيث وجَّهتِهِ ذهب. 

فلنُدِرْ حوارنا مع أطفالنا عن اقتناء الحيوان الأليف المناسب بطريقة تدعم شخصياتهم، وتُنمِّي الخير فيهم، وتبعدهم عن تأثير "باف" السيئ على شخصياتهم.